حبيب الله الهاشمي الخوئي
260
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الايمان أي الأنوار والآثار الَّتي حصلت في القلب من الايمان أو التصديقات والإذعانات الَّتى تحقّ أن تسمّى ايمانا . أو المراد بحقايق الايمان ما ينتمى إليه تلك العقائد من البراهين العقليّة ، فانّ الحقيقة ما يصير إليه حقّ الأمر ووجوبه ذكره المطرزي في الغريبين انتهى . أقول : هذه المعاني كلَّها صحيحة محتملة لكن الأظهر هو المعنى الثاني المطابق لما ذكرناه . ويؤيّده ما في الاحتجاج عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام أنه سأله زنديق كيف يعبد اللَّه الخلق ولم يروه قال عليه السّلام : رأته القلوب بنور الايمان وأثبتته العقول بيقظها إثبات العيان ، وأبصرته الأبصار بما رأت من حسن التركيب واحكام التأليف ، ثمّ الرّسل وآياتها والكتب ومحكماتها واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته قال : أليس هو قادر أن يظهر لهم حتّى يروه فيعرفوه فيعبد على يقين قال عليه السّلام : ليس للمحال جواب ، هذا . ولما نبّه على كونه سبحانه مدركا بالعقول عقّبه بذكر جملة من صفات كماله التي هي جهات ادراكه فقال ( قريب من الأشياء غير ملامس ) يعنى أنّ قربه منها بالإحاطة والقيوميّة لا بالالتصاق والملامسة الَّتى هي من عوارض الجسميّة ( بعيد منها غير مباين ) يعنى أنّ بعده منها بنفس ذاته المقدّسة لا بعنوان التعاند والمضادّة ، وقد مرّ تحقيق ذلك مع سابقه في شرح الفصل السادس من الخطبة الأولى عند شرح قوله عليه السّلام : مع كلّ شيء لا بمقارنة وغير كلَّشىء لا بمزايلة . ( متكلَّم لا بروية ) يعنى أنّ تكلَّمه تعالى ليس بالفكر والتروّى كساير آحاد الناس فانّ كلامهم تابع للتروّى والأفكار يتفكَّرون أوّلا في نظم الألفاظ وترتيبها ودلالتها على المعاني المقصودة ثمّ يتكلَّمون واللَّه سبحانه منزّه عن ذلك . قال الشارح البحراني : وكلامه تعالى يعود إلى علمه بصور الأوامر والنواهي وساير أنواع الكلام عند قوم وإلى المعنى النفساني عند الأشعري وإلى خلقه الكلام في جسم النبىّ عند المعتزلة .